الشيخ أحمد فريد المزيدي
128
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
وناداه : يا فلان ، خذ البردة ولا ترجع إلى هاهنا ، فقيل له في ذلك ، فقال : اشتريت ببردتي لكم صفاء الوقت في هذه الليلة بإخراج من ليس منكم من بينكم « 1 » . قال الجنيد قدّس اللّه سرّه : الوقت عزيز « 2 » ، إذا فات لا يدرك « 3 » . وقال أبو العباس بن مسروق مررت مع الجنيد رحمه اللّه في بعض دروب بغداد وإذا مغن يغنى : منازل كنت تهواها وتألفها * أيام أنت على الأيام منصور فبكى الجنيد بكاء شديدا ، ثم قال لي : يا أبا العباس ، ما أطيب منازل الألفة والأنس وأوحش مقامات المخالفة لا أزال أحنّ إلى حال بدايتي وجدة سعيي وركوبي الأهوال طمعا في الوصول ، وها أنا ذا في أيام الفترة أتأسف على أوقاتي الماضية « 4 » . حكي عن الجنيد رضي اللّه عنه أنه قال : رأيت درويشا في البادية ، جالسا تحت أشواك شجرة أم غيلان ، في مكان صعب وبمشقّة تامة ، فقلت : يا أخي ، ما أجلسك هنا ؟ فقال : اعلم أنه كان لي وقت ضاع هنا ، فجلست الآن أتوجع عليه ، فقلت : منذ كم من السنين ؟ قال : منذ اثنتي عشرة سنة ، فليبذل الشيخ الآن همة في الأمر - يطلب الدرويش من الجنيد أن يبذل همة لمساعدته - لعلّي أصل إلى مرادي ، وأستعيد وقتي . قال الجنيد : فمضيت وأدّيت الحج ، ودعوت له ، فاستجيبت الدعوة ، وبلغ مراده ، فلما رجعت وجدته جالسا في نفس المكان ، فسألته ، فقال : أيها الشيخ ، لقد كنت ألازم المكان الذي كان محل وحشتي وأضعت فيه رأس مالي ، فهل يجوز الآن أن أترك المكان الذي استعدت فيه مالي وهو محل أنسي ؟ فليذهب الشيخ بسلام ، لأني سأخلط ترابي بتراب
--> ( 1 ) انظر : روض الرياحين ( ص 182 ) . ( 2 ) الوقت : عبارة عن حالك ، وهو ما يقتضيه استعدادك لغير مجهول في زمن الحال الذي لا تعلق له بالماضي والمستقبل فلا يظهر فيك من شؤون الحق الذي هو عليها الآن ، إلا بما يطلبه استعدادا ، فالحكم للاستعداد وشأن الحق محكوم عليه . وهذا هو مذهب التحقيق ، فظهور الحق في الأعيان بحسب ما يعطيه استعدادها ، فلذلك ينبع فيها فيض وجود الحق ، وهو في نفسه على وحدته الذاتية ، وإطلاقه وتجرده وتقدسه غنيّ عن العالمين . ( 3 ) انظر : طبقات السلمي ( ص 161 ) ، واللمع للطوسي ( ص 418 ) . ( 4 ) انظر : روضة الحبور لابن الأطعاني ( ص 125 ) بتحقيقنا .